الذكاء الاصطناعي يربك المصارف.. هل بات الاستقرار المالي مهدداً؟

2026.10.13 - 22:14
Facebook Share
طباعة

 تتجه الجهات الرقابية المصرفية في الولايات المتحدة وأوروبا إلى تشديد فحصها لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، في ظل مخاوف متزايدة من أن تتحول الأنظمة المتقدمة إلى أداة لهجمات إلكترونية قادرة على تعطيل الخدمات المالية أو إحداث اضطرابات واسعة في الأسواق. ويأتي ذلك بالتزامن مع تسارع اعتماد البنوك على تقنيات تنفذ مهام معقدة بقدر أقل من التدخل البشري، ما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالسيطرة على هذه الأنظمة والقدرة على احتواء آثارها عند وقوع خلل.

وبحسب معلومات نقلتها وكالة رويترز عن ستة مصادر مطلعة، بدأت هيئات رقابية أمريكية كبرى الاستفسار من البنوك بشأن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تستخدمها، والضوابط المفروضة عليها، وكيفية مراقبة قراراتها واعتمادها ومراجعتها. وتشمل هذه الجهات مجلس الاحتياطي الاتحادي، ومكتب المراقب المالي للعملة، والمؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع.

وتركز الأسئلة على مدى استخدام المصارف تقنيات مطورة في الصين، ودور وكلاء الذكاء الاصطناعي في حماية الأنظمة من الهجمات الإلكترونية، إلى جانب الضمانات التي تمنع هذه الأدوات من تجاوز الصلاحيات الممنوحة لها. كما تبحث الجهات الرقابية في مدى احتفاظ الموظفين بسلطة التدخل في القرارات الحساسة، والوسائل المتاحة لإيقاف الأنظمة المستقلة إذا خرجت عن نطاق السيطرة.

ولا تزال السلطات الأمريكية في مرحلة جمع المعلومات، ولم تنتقل حتى الآن إلى إصدار تعليمات محددة تلزم المصارف بإجراءات بعينها. لكن اتساع نطاق الاستفسارات يعكس تحولاً في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، من التركيز على فرص استخدامه إلى فحص المخاطر التي قد تنشأ عندما ترتبط أنظمته مباشرة بالعمليات المالية الأساسية.

أوروبا تستعد لسيناريو التعطل

في أوروبا، تتزايد الضغوط على البنوك لتعزيز قدرتها على استعادة الخدمات بعد الهجمات الإلكترونية. وقالت ثلاثة مصادر مطلعة إن بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي يدفعان المؤسسات المصرفية إلى مراجعة خطط التعافي، وسط مخاوف من أن يتجاوز تطور أدوات الهجوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي سرعة استعداد المؤسسات لمواجهتها.

وتتجاوز المخاوف احتمال سرقة البيانات أو اختراق الحسابات، لتشمل سيناريوهات قد تؤدي إلى تعطيل المدفوعات والوصول إلى الخدمات المصرفية، بما ينعكس على قطاعات اقتصادية أوسع. ونقل التقرير عن مسؤول تنفيذي رفيع في أحد البنوك الأوروبية الكبرى مخاوف من وقوع أضرار جسيمة في الأسواق المصرفية والمالية خلال الأشهر الستة المقبلة.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد منح المقرضين، في يوليو/تموز الماضي، مهلة حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول لتقديم خطط لمواجهة التهديدات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل الخطط تحسين النسخ الاحتياطية وتعزيز آليات استعادة الأنظمة والبيانات بعد الهجمات.

أما في بريطانيا، فيشجع المشرفون أكبر البنوك على دراسة إنشاء أنظمة تعافٍ مستقلة عن بنيتها التكنولوجية الرئيسية، بحيث يمكن تشغيلها إذا تعرضت الأنظمة الأساسية للاختراق. غير أن بناء هذه الأنظمة وصيانتها ينطويان على تكاليف مرتفعة، ما يدفع السلطات البريطانية إلى تفضيل التعاون مع القطاع المصرفي بدلاً من فرض متطلبات جديدة في الوقت الراهن.

وفي هذا السياق، شدد سوكاند راماشاندران، العضو المنتدب والشريك الأول لدى مجموعة بوسطن الاستشارية، على أن سرعة استعادة الخدمات لا تقل أهمية عن منع الهجمات. وحذر من أن غياب نسخ آمنة ونظيفة من البيانات الحساسة، محفوظة بصورة منفصلة، قد يتيح لهجوم كبير تعطيل وصول العملاء إلى حساباتهم ووقف المدفوعات على نطاق واسع.

حوادث ترفع مستوى الإنذار

تعززت المخاوف عقب تقارير عن حوادث إلكترونية ارتبطت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وقالت شركة كراود سترايك للأمن السيبراني، خلال الشهر الجاري، إن شخصاً في الصين يُرجح أنه استعان بوكيل ذكاء اصطناعي مطور في الصين، إلى جانب أداة «كلود كود» التابعة لشركة أنثروبيك، في هجوم إلكتروني استهدف بنوكاً في كوريا الجنوبية.

كما أفادت رويترز بأن وكلاء ذكاء اصطناعي مارقين طورتهم شركة أوبن إيه آي شاركوا في اختراق منصة «هاغينغ فيس» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. وأعادت هذه الوقائع تسليط الضوء على المخاطر التي تنشأ عندما تتمكن الأنظمة من تنفيذ سلسلة من المهام بصورة شبه مستقلة، في وقت لا تزال فيه قدرة المؤسسات على مراقبتها وضبط تحركاتها موضع اختبار.

وقال مايكل وودبريدج، الشريك المتخصص في الأمن السيبراني لدى شركة غرانت ثورنتون في لندن، إن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي غالباً ما يتقدم على تطوير الضوابط اللازمة لإدارتها. ويعكس هذا التفاوت تحدياً أساسياً أمام المؤسسات المالية، إذ قد تتوسع في استخدام الأدوات الجديدة قبل استكمال إجراءات الحماية والمراجعة والاستجابة للأعطال.

وفي تحذير موازٍ، نبه صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، إلى مخاطر التراخي في الأسواق المالية العالمية، مشيراً إلى أن هجوماً إلكترونياً كبيراً يستهدف خدمة حيوية أو مؤسسة مالية قد يقوض الثقة بالنظام المالي. ودعا الصندوق صانعي السياسات إلى تعزيز القدرات في مجال الأمن السيبراني.

الابتكار مقابل حماية النظام المالي

تتسابق المصارف لتوظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام متعددة بأقل قدر من الإشراف البشري، أملاً في رفع الكفاءة وتسريع العمليات. لكن هذه المزايا تضع المؤسسات أمام معادلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار ثغرات أنظمة المعلومات واعتماد البنوك على مزودي خدمات خارجيين قد يشكلون بدورهم نقاط ضعف.

ولا تقتصر المسألة على منع اختراق تقني، بل تمتد إلى ضمان استمرار العمل المصرفي عند تعطل الأنظمة، ومنع القرارات الآلية من إحداث آثار متسلسلة يصعب احتواؤها. فكلما زادت صلاحيات الأنظمة المستقلة واتسع اتصالها بالبنية المالية، ازدادت أهمية تحديد حدود تدخلها، ووضع آليات واضحة لإيقافها واستعادة العمليات يدوياً عند الضرورة.

وبذلك، تواجه الجهات الرقابية مهمة مزدوجة: السماح للمصارف بالاستفادة من التطور التقني، من دون أن يتحول التسابق على تبني الذكاء الاصطناعي إلى ثغرة تهدد أموال العملاء واستمرارية المدفوعات والثقة بالقطاع المالي. وفي ظل سرعة تطور أدوات الهجوم، قد لا يكون الاختبار الحقيقي هو قدرة البنوك على منع الاختراق وحده، بل مدى استعدادها لمواصلة العمل واستعادة خدماتها قبل أن ينتقل الضرر من مؤسسة واحدة إلى الأسواق والاقتصاد الأوسع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8